محمد جواد مغنيه
161
الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة
ومنها أن المتوكل كلف ابن السكيت بتأديب ولده المعتز باللّه ، وكان هذا الشيخ من عظماء الشيعة ولكنه كان يكتم التشيع حسبما يظهر من اختيار المتوكل له ، لأن المتوكل معروف بإغراقه في العداوة لعلي وبنيه ، وفي ذات يوم قال له المتوكل : أيهما أحب إليك ، ابناي هذان ، أي المعتز والمؤيد ، أم الحسن والحسين ؟ فلم يملك الشيخ نفسه ، وقال له : واللّه إن قنبرا خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك ، فأمر المتوكل أن يخرجوا لسانه من قفاه ففعلوا ومات . ومن الغريب أن هذا الشيخ قد حذر من عثرات اللسان حيث قال : يصاب الفتى من عسرة لسانه * وليس يصاب المرء من عسرة الرجل فعثرته في القول تذهب رأسه * وعثرته في الرجل تبرأ على مهل وسبيل المداراة مع المصلحة يسلكها العارفون ، فينتفعون وينفعون دنيا وآخره ، إذا لم يخرجوا من الحق ، ولم يدخلوا في الباطل ، كان لفرعون ابن عم آمن بموسى في الباطن ، وبقي مع فرعون في الظاهر ، يقضي مصالح الضعفاء ، ويدافع عن الطيبين ، وقد مدحه اللّه في كتابه العزيز ، وسماه بالمؤمن في 28 : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ثم سميت السورة بكاملها بهذا الاسم من أجله . إن حب آل البيت لم يختص بطبقة دون طبقة ، أو فرقة دون فرقة ، فقد اتحدت قلوب المسلمين جميعا على حبهم ، وبخاصة رجال الدين ، ومن تتبع سيرة أئمة المذاهب الأربعة لمس إخلاصهم لعلي وأبناء علي ، كان أبو حنيفة يحب أهل البيت ، ويبذل لهم الأموال الطائلة ، وأفتى بنصرة زيد بن علي ، وحمل الأموال إليه ، كما أفتى بالخروج مع إبراهيم بن عبد اللّه الحسني لحرب المنصور . وضرب أبو حنيفة بالسياط وحبس وعذب ، وأخيرا سقاه المنصور السم فمات ، كل ذلك في سبيل حبه لأبناء الإمام علي ، وبغض أعدائهم . وقال بعض المؤرخين : إن أبا حنيفة ضرب وعذب ، لأن الخلفاء طلبوه ليتولى منصب القضاء فامتنع . وهذا القول لا يقبله عاقل ، لأن طلبهم إياه للقضاء يدل على التعظيم ، وضربه بالسياط وحبسه يدل على التحقير فكيف يمكن الجمع بينهما ، ومن القريب الجائز أن يكونوا قد عرضوا عليه القضاء ليسكت وينصرف عن آل البيت ، فلما أبى نكلوا به ، إذن التنكيل